شاي عراقي
_ تريدين شاي عراقي أوشاي أخضر؟
_ عراقي
وتغيب لتحضر شايها فلا أشعر بالوحدة في غيابها إذ أبدأ من جديد بتأمل الغرفة وكأني أراها للمرة الاولى، الفوانيس الصغيرة في الزوايا تلقي بظلال النباتات على الجدران وتتداخل في تالف محبب مع الارضية الخشبية. ولعل أحب ركن يشدني اليه هو المكتبة، ثمة عناوين كثيرة لكتب لم أسمع بها، وعلى الرفوف إطارات لصور عائلية، تحف صغيرة، تقويم سنوي يحمل صورة ساحة فبها نصب( لمرجانة والأربعين حرامي) وبساط صغير تزينه نقوش لشجرات نخيل. كل تلك الاشياء كانت تنده يا العراق.
_ ما كو سكر.
_ أشربه يا أم رياض، صبّيه.
وأرفع الفنجان إليّ على مهل، فيمسك الشاي الثقيل لساني لكني أتابع ارتشافه كرمى المرأة التي جاءت به.
هي إمراة في الخمسين، حفرت خطوط وجهها النحيف عذابات الرحيل من منفى الى منفى أكثرمن أربعين عاماً، عيناها صغيرتان سوداوان تغوران في وجه يوحي بصلابة الصخر، إنما حين تبدأ بالكلام تتدفق الينابيع من كل الجهات وأسمعها تردد ببحة عميقة من شعر زوجها (وما ارتجفت خطانا نطرق الأبواب يا الوطن العتيق ولم نزل غجرالطريق)، ويكمل الصوت دربه إلي فتبوح بكثير من عذابات احتملوها فقد أغلقت جريدتهم (الإنسانية) ولاحق الطغاة أحلامهم وبقي زوجها في قسوة السجن أربع سنوات، فلم يكن لهم إلا الرحيل بعيداً عن موت يترصدهم أينما اتجهوا. تلك المرأة المختلفة عرفتها لستة أشهر في بكين أرافقها أحيانا إلى السوق أو إلى قاعة الفندق الكبير إذ يحمل إليها أحد خبراً عن الأولاد فكل منهم قد استقر في منفى، فيشرق الوجه للحظات ثم تخبو النظرة وتصبح كابية فأفهم أنه همّ جديد ونعود صامتتين ولا أسأل وأدرك أن في البوح مكان لأسرارصغيرة لاتقال، وكان لابد لي أن أعود إلى سوريا لأنهي امتحاناتي الجامعية فأخبرتها أني سأشتاق إليها وسأرجع في أيلول، فردت بصوت لايشبه صوتها :بنيتي لاترجعي هذي البلاد ملجأ المجانين والمنفيين.
وما عدت وكان ذلك عام 79.
أم رياض التي كانت في عمر أمي أسمعتني بعضاً من أشعار زوجها وحكت لي عن طفولة أولادها وعن الكتب التي خبأتها ودفنتها في حديقة البيت، فلماذا اختارتني أنا صديقة لها ؟ هل كنت أذكرها بابنتها، أم رأتني أصغي بعاطفة حقيقية، أم تراها كانت تحدس أن ما تبوح به لن يعرفه أحد لسنوات طويلة.
أعود إلى هذاالمساء الذي هبط ثقيلاً يلفني فيه حزن لا أعرف من أين أتى ولسبب ما أتذكر أم رياض وأبحث عن أخبارها ولأصل اليها رحت أبحث في الغوغل عن زوجها الشاعر كاظم السماوي فبدأت الصورة تتنزل ببطء إلى أن اكتملت، إنه هو شيخ المنافي كما لقبوه رجل أشيب ببذلة رمادية وربطة عنق لقد ظل أنيقاً كما عهدته إنما إلى جانب الصورة خبر بخط عريض الخميس 18 اذار 2010 وجه فخامة رئيس الجمهورية جلال طالبني برقية تعزية بوفاة الشاعر والكاتب (كاظم السماوي )، لم يكن وحده ما أشعرني بذلك الحزن المبهم إنما السطور التي تابعت قراءتها إذ علمت أن يد الطاغية قد توصلت الى ولديه واغتالتهما.
وإن أم رياض تلك الصخرة السمراء رحلت منكسرة وهي التي لم تنكسر لشيء إلا لهذا الغياب الذي لايحتمل لولديها.
قمت أبحث عن صورة لنا معا ووجدتها تشد إليها معطفها الرمادي بمربعات كحلية، معطف دفأها شتاءات طويلة. إليهم جميعاً أهدي هذا النص وأقول: سلام على الذين ما ارتجفت خطاهم ورحلوا وهم لا يملكون شيئاً ولا يملكهم شيء.